
نعيش اليوم في عصر التقنية الرقمية المذهل، عصرٍ جعل الوصول إلى المعلومة أسرع مما كنا نتصور. فمن قبل، كان طالب العلم يقطع المسافات ليصل إلى مكتبة، وينقب بين الرفوف للعثور على كتاب أو مرجع، بينما أصبح اليوم يستطيع الوصول إلى تلك المعلومة في لحظة عبر جهاز صغير في جيبه. المكتبات لا تزال لها قيمتها، لكن لا أحد ينكر أن الثورة الرقمية قد قلبت حياتنا رأسًا على عقب. ويبقى السؤال: إلى أي مدى ينبغي أن نسمح للتقنية أن تهيمن على حياتنا؟ وأين يجب أن نضع حدودها الشرعية والأخلاقية؟
إن الشباب والبالغين يقضون مئات الساعات أمام الشاشات، يتابعون شبكات التواصل الاجتماعي، ويعيشون تحت ضغط البقاء على اتصال دائم. كثير منهم يقرّون بظاهرة تُعرف اليوم بـ “الخوف من فوات الفرصة” (FOMO)، وهي حالة من القلق أن يفوتهم حدث أو خبر أو مشاركة. وهذا مجرد أثر جانبي واحد لهذا الارتباط المفرط بالأجهزة.
ورغم المنافع الكثيرة للتقنية، فإن شواهد علم الأعصاب ودراسات السلوك تؤكد أن ممارساتنا الرقمية تترك أثرًا عميقًا في عقولنا وقلوبنا، وقد تمسّ بقدرتنا على العبادة والتفكر والتدبر. فالدماغ البشري يتأثر بالاستخدام المفرط للشاشات ووسائل التواصل، مما يقلل القدرة على التركيز والتأمل العميق. ولعل ما أشارت إليه الدراسات الحديثة يتفق مع المعنى القرآني: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].
لقد أثبت العلم الحديث مفهوم “المرونة العصبية” (Neuroplasticity)، أي أن الدماغ يعيد تشكيل نفسه باستمرار وفقًا لما يعتاد عليه من أنماط التفكير والعمل. وهذا يعني أن التكرار – سواء في الأفعال أو الأفكار – يصوغ عقولنا. قال النبي ﷺ: “إنما العلم بالتعلم”، أي أن التكرار والتدريب يغرس المعرفة في النفس. وبالمقابل، فإن التكرار المستمر للانشغال باللهو الرقمي يعيد تشكيل أدمغتنا باتجاه سطحي، سريع، متقطع، بعيد عن التركيز والتأمل.
الجيل المعاصر هو أكثر الأجيال اتصالًا بالإعلام، وأكثرها تشبعًا بالمؤثرات البصرية، حتى أصبحت عادة “التصفح السريع” تغلب على القراءة العميقة، بل وعلى أنماط التفكير نفسها. وهذا يطرح تحديات كبرى أمام المسلم: كيف يحافظ على تدبر القرآن الكريم، والتأمل في معانيه، والقدرة على متابعة حوار علمي أو خطبة جمعة طويلة، في زمن صار الناس فيه لا يصبرون على قراءة فقرة طويلة دون مقاطعة؟
إن ما قاله مارشال ماكلوهان بأن “الوسيلة هي الرسالة” يجد له نظيرًا في الفهم الإسلامي: فالوسائل ليست محايدة تمامًا، بل تترك أثرًا في مستخدمها، ومن هنا جاء التحذير القرآني: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: 9]. فالأدوات التي نستخدمها قد تكون نعمة إذا سخرت في الخير، أو نقمة إذا صرفتنا عن ذكر الله وعن عمارة عقولنا بالعلم النافع.
البعض يرى أن هذا مجرد تطور طبيعي في طرائق التفكير، وأن الأجيال الحديثة ستتكيف معه. غير أن المسلم ينبغي أن يسائل نفسه: هل هذا التكيف يعزز قدرته على عبادة الله، وفهم دينه، والتأمل في كتابه، أم يضعفها؟ فنحن لسنا أحرارًا في تضييع أعمارنا فيما لا ينفع، بل سنُسأل عنها يوم القيامة، كما قال النبي ﷺ: “لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه” (رواه الترمذي).
ولا شك أن للتقنية الرقمية فوائد عظيمة، مثل تيسير الوصول إلى القرآن والحديث والعلوم الشرعية، ونشر العلم في أصقاع الأرض. لكن السؤال: ماذا نخسر في المقابل؟ هل صار المسلم يكتفي بالبحث اللحظي عن آية أو حديث عبر التطبيقات، دون أن يحمل في صدره علمًا راسخًا أو تدبرًا عميقًا؟ إن الواجب أن نوازن بين الانتفاع بهذه الوسائل، وبين المحافظة على صفاء العقل وصفاء القلب.
ولعل من الحكمة أن تقود الأمة الإسلامية نفسها دعوةً عالمية إلى “صومٍ رقمي”، شبيه بصوم الجسد، نعود فيه إلى هدوء القراءة، وصفاء التدبر، وحضور القلب في الصلاة والعبادة. قال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. فلنكن يقظين ألا تسرق منا الشاشات طمأنينة قلوبنا، ونور عقولنا، وقوة تفكرنا في آيات الله في كتابه وفي كونه.