تسليم الأطفال من المعتقلات إلى دور الأيتام في سوريا بين الرعاية الزائفة والجريمة المنظمة

عدد الزوار: 146

.

في زمن الطغيان، لا تُرتكب كل الجرائم بالسلاح أو في أقبية السجون. أحيانًا، تحدث في صمتٍ ناعم، داخل أبنية تحمل أسماء رقيقة، وفي مؤسسات ترفع شعارات الرحمة، لكنها تُخفي في جدرانها أفظع أشكال القسوة: محو الاسم، وسرقة الهوية، وقطع الجذور.

في سوريا، كانت دار “لحن الحياة” واحدة من هذه الواجهات. ظاهرها الرعاية والحنان، وباطنها – كما تروي شهادات مؤلمة – مكانٌ استُخدم لدفن الحقيقة. هناك، لم يكن الطفل يُستقبل كيتيمٍ بريء، بل كمن بقي شاهدًا على جريمة وقعت لأهله، ثم حُرم حتى من أن يعرف من هو. أطفال سُلِّموا إلى المؤسسة بعد تغييب آبائهم أو اعتقال أمهاتهم، أو ربما بعد مقتلهما معًا، ثم جرى تسجيلهم بأسماء جديدة، بلا نسب، بلا تاريخ، وكأنهم خرجوا من العدم.

في قلب هذه الحكاية تقف اسمان ترددا كثيرًا على ألسنة السوريين: ندى الغبرة ولمى الصواف. لسنوات، عُرفتا في أوساط المجتمع الأهلي بأنهما إداريتان في الدار، بل وقيل إن لهما تاريخًا من العمل الخيري والاجتماعي. ولكن السؤال هنا ليس عن الماضي، بل عن اللحظة التي مُحيت فيها أسماء الأطفال أمام أعينهما: هل سكتتا؟ هل نفّذتا؟ أم حاولتا أن ترفضا ولو بصمت؟

العمل الخيري لا يعفي من المحاسبة الأخلاقية، ولا يشفع في لحظة يُنتزع فيها من الطفل اسمه، ويُعاد تعريفه كأنه لم يكن. لا أحد يملك هذا الحق. ليس النظام، ولا الوزارة، ولا حتى مؤسسات الرعاية. فالاسم ليس مجرد رقم إداري، بل هو الرابط بين الإنسان وتاريخه. حين يُسلب، لا يعود الطفل كما كان، بل يعيش عمره كاملاً وهو يبحث عن نفسه.

لقد قيل إن السيدتين لم تكن لهما سلطة على الملفات، وإن كل شيء كان يُفرض من أعلى. وهذا احتمال وارد في نظام مثل النظام السوري، الذي لا يعرف الرحمة ولا يسمح بالرفض. لكن الأخلاق لا تطلب من الإنسان أن يكون بطلاً، بل أن يحفظ الحد الأدنى من ضميره. أن لا يوقّع، أن لا يشارك، أن لا يصمت. فإن لم يكن الرفض ممكنًا، فهل كان السكوت واجبًا؟ وإذا سكتتا فعلًا، فهل ما زال الصمت مقبولًا بعد أن انكشفت الحكاية؟ أين الصوت؟ أين البيان؟ أين الشهادة؟

بعد سقوط النظام وبدء انكشاف الملفات، غادرت لمى الصواف إلى مصر بصمت، دون أن تصدر عنها كلمة توضيح، لا دفاعًا عن نفسها، ولا اعترافًا، ولا حتى تعاطفًا مع الأطفال الذين أصبحوا اليوم بلا ماضٍ. لكن هذا السفر المتأخر يطرح سؤالًا أكبر من الصمت: إذا كانت قادرة على مغادرة البلاد لاحقًا، فهل كانت عاجزة عن المغادرة حين كانت في قلب المؤسسة، تشرف على من تُنتزع منهم أسماؤهم؟ هل كان الخوف حقًا هو ما أجبرها على البقاء؟ أم أن القرار بالبقاء لم يكن مفروضًا، بل كان اختيارًا واعيًا للاستمرار في دور وظيفي مريح، ولو على حساب أطفال بلا حول ولا نسب؟ وإذا كان السفر ممكنًا، فلماذا لم يتم إلا حين بدأ الحديث عن الانتهاكات؟ هل كان الخوف من النظام هو ما منعها… أم أن الخوف الحقيقي بدأ عندما اقتربت المساءلة؟

أما البيانات العاطفية التي صدرت عن أنصارها وأنصار ندى الغبرة، فقد اكتفت بتعداد ما قدمتاه من مساعدات للفقراء قبل الثورة، وتجاهلت جوهر المساءلة الأخلاقية: ماذا فعلتما حين تغيّر اسم الطفل أمامكما؟ ماذا فعلتما حين استُبدلت هويته بأخرى مزورة؟ هل حاولتما، ولو مرة واحدة، أن تقولان: “هذا ليس لقيطًا، بل ابن رجل أخفاه النظام”؟

ومن بين هؤلاء الأطفال، من يروي السوريون اليوم أنهن بنات الدكتورة رانيا العباسي، التي اُعتقلت مع زوجها وأولادها، ولم يظهر لهم أثر منذ أكثر من عشر سنوات. ويقال إن بناتها وُضعن في الدار، ثم غُيّرت أسماؤهن، واختفى أثرهن، كما اختفى والداهن من قبل. ليست هذه مجرد إشاعة، بل قصة تتكرر، وتؤلم، وتضع إدارة الدار أمام سؤال لا يمكن تجاهله: هل عرفتنّ؟ وهل سكتنّ؟

ويصبح هذا السؤال أكثر إلحاحًا حين نعلم أن جمعية “لحن الحياة” نفسها لم تكن مجرد مؤسسة أهلية مستقلة، بل كانت تتبع بشكل مباشر لجهات سلطوية عليا، وعلى رأسها أسماء الأسد. لم يكن اختيار ندى الغبرة ولمى الصواف لتولي الإدارة نابعًا من إجراءات مؤسسية طبيعية، بل جاء – كما نقل بعض من دافع عنهما – بطلب من “السيدة الأولى” شخصيًا، في محاولة لتلميع صورة النظام عبر بوابة الرعاية والعمل الإنساني. وهذا الارتباط السياسي لا يُخفف من مسؤوليتهما، بل يُثقله، لأن من يعمل في مؤسسة كهذه يعلم – أو يجب أن يعلم – أنه ليس مجرد مسؤول اجتماعي، بل جزء من سردية رسمية تريد أن تصوغ شكل “الرحمة” وفق مقاس النظام… حتى وإن كانت الرحمة هذه تُبنى على أنقاض هوية طفل ومسح اسم شهيد.

وثمّة تفصيل آخر لا يقل أهمية في ميزان الضمير. فالسيدتان لم تكونا من الفقراء أو المهمّشين أو الباحثين عن راتب يقيهما الجوع. بل تنحدران من أسر دمشقية معروفة، غنية، ميسورة. وهذا لا يُدينهما بحد ذاته، لكنه ينزع الغطاء الأخير عن تبرير الصمت بالحاجة أو الخوف من الجوع. فمن كانت تعرف تمامًا ما يجري، وتملك خيار الابتعاد، ولديها من العلاقات والنفوذ ما يحميها من الذوبان الكامل في أوامر النظام، ثم تختار أن تبقى، وتدير، وتنفذ، وتصمت… فإن مسؤوليتها الأخلاقية لا تتقلص، بل تتضاعف.

ومع تكرار الشهادات عن محو الأسماء وغياب التوثيق، بدأ سؤال مُفزع يُطرح بهمسٍ في أوساط الناجين وأهالي المفقودين: هل كان الأطفال يُؤخذون فقط لتغيير أسمائهم؟ أم أن هناك من استغل هشاشتهم ومجهوليتهم لغايات أفظع؟ هل جرى الاتجار ببعضهم؟ أو – والاحتمال الذي يشيح عنه الجميع وجوههم – هل كانت هناك حالات استئصال أعضاء؟ قد لا نملك دليلاً دامغًا، ولكن حين يتم فصل الطفل عن نسبه، عن ملفه، عن من يعرفه، ويُعاد تسميته بعيدًا عن أي رقابة… تصبح كل الاحتمالات مفتوحة، وكل الاحتمالات مريعة.

وهنا لم يعد الأمر مجرّد شك. فبحسب وثائق مسرّبة اطّلعت عليها صحيفة “زمان الوصل”، والتي تغطي جزئيًا الفترة من عام 2018 إلى 2024 فقط، تم توثيق تسليم 172 طفلًا من قبل أجهزة المخابرات إلى دور الأيتام، ضمن عملية إخفاء ممنهجة. بعض هؤلاء كانوا من الرضّع. وتشير المصادر نفسها إلى أن هذا الرقم لا يُمثل سوى نحو 10% من الحجم الفعلي المتوقع لهذه الجريمة الممتدة، مما يوحي بأن آلاف الأطفال ربما جرى اقتلاعهم من ذويهم، وتسجيلهم بأسماء لا يعرفونها، في مشهد اختفاء صامت لا تزال تفاصيله الحقيقية تتكشّف ببطء. أما الفترة من 2011 حتى 2017، فهي لا تزال مظلمة تمامًا، بلا توثيق، بلا أسماء، بلا أثر. وكأنها بئر سحيقة دُفن فيها جزء من التاريخ السوري، لا نعلم ما بداخله، لكننا نعرف ما خرج منه: أطفال بلا هوية، وجراح بلا قبر.

لكن الزمن لا يستمر في حماية الصامتين. فاليوم، تم القبض على ندى الغبرة ولمى الصواف من قبل النظام الجديد، بعد سنوات من التواري خلف الوجوه الصامتة والبيانات العاطفية. لا نعرف كيف ستُجرى التحقيقات، ولا ما إذا كانت العدالة ستأخذ مجراها الحقيقي، لكن مجرد أن يُفتح الباب، أن يُسأل السؤال أخيرًا: “ماذا حدث؟ ومن المسؤول؟” فهذا بحد ذاته بداية رد الاعتبار لكل اسم مُسح، ولكل طفل كبر وهو لا يعرف من هو.

التاريخ قد ينسى الأسماء، لكن الأطفال سيكبرون، وسيسألون ذات يوم: “من أنا؟ ومن كتب لي هذا الاسم؟ ولماذا؟” وعندها، لن ينفع الصمت. ولن تكفي الدموع