
في ظلّ ما تعيشه سوريا من فقر مدقع وانهيار في أنظمة الرعاية الصحية والاجتماعية، ظهرت ظاهرة خطيرة يتحدث عنها البعض همسًا، وتغضّ المؤسسات الطرف عنها عمدًا: بيع الكلى مقابل المال.
ليست هذه تجارة سرية فحسب، بل هي مأساة أخلاقية تُرتكب كل يوم، يُسجَّل فيها تواطؤ الحاجة مع الصمت، ويُشرعن فيها الاستغلال باسم “النجاة”.
تشير التقديرات غير الرسمية إلى أن ما بين 150 إلى 200 عملية زراعة كلية سنويًا تتم في سوريا بمقابل مالي، في ظل غياب إطار قانوني يضبط المسألة، وفي بيئة يتشابك فيها الألم الإنساني مع جشع بعض الوسطاء وضعف الضمير المهني لدى بعض العاملين في الحقل الطبي. لا تُجرى هذه العمليات في الظلام فقط، بل في قلب المستشفيات، أحيانًا تحت لافتة “التبرع”، لكنها في حقيقتها بيعٌ صريحٌ لعضوٍ بشري، بين فقيرٍ جائعٍ وغنيٍ يائس.
من يبيعون كلياتهم لا يفعلون ذلك حبًا في الخير، ولا اندفاعًا نحو التبرع، بل دفعًا بالذلّ والديْن والتهديد والمرض. وغالبًا ما تُعرض عليهم مبالغ زهيدة لا تكاد تضمن لهم علاجًا لاحقًا لما قد يصيبهم من مضاعفات، بينما تُدرّ العملية أرباحًا خيالية على السماسرة والمراكز التي تقف وراء الستار. أما من يشتري، فهو غالبًا من يملك المال الكافي للوصول الأسرع إلى العلاج، حتى لو لم يكن هو الأحق من الناحية الطبية.
بعضهم يبرّر هذه الظاهرة بعبارة خادعة: “ما دامت تحدث سرًّا، فلنشرّعها ونجعلها قانونية كما في إيران.” لكن هذا المنطق خطير ومضلّل، لأنه يقوم على تطبيع الجريمة بدلًا من مقاومتها. وجود مخالفة لا يعني تقنينها، بل يستوجب التصدي لها ومعالجة أسبابها. وهل إذا انتشر الزنا أو السرقة أو الرشوة نطالب بتقنينها؟ أم نطالب بردعها وحماية من يُدفع إليها؟ كذلك الحال هنا: بيع الأعضاء ليس حلًا للفقر، بل قاع جديد للعبودية.
ثمّة من يحتجّ بالتجربة الإيرانية، حيث يُسمح قانونًا ببيع الكلية مقابل المال. لكن واقع الحال يُظهر أن هذا التقنين لم يمنع الظلم، بل جعله أكثر تنظيمًا. فالفقراء في إيران هم دائمًا المانحون، والأغنياء هم المشترون، والفجوة بينهما تتّسع لا تضيق. تُجرى العملية الطبية في إطار قانوني، نعم، لكن الألم والمعاناة والتبِعات النفسية والاجتماعية لا تقلّ عن السوق السوداء بشيء.
وفي المقابل، فإن معظم هيئات العلماء والفقهاء في العالم الإسلامي – من مجمع الفقه الإسلامي الدولي إلى هيئة كبار العلماء في السعودية إلى دار الإفتاء المصرية – أصدرت فتاوى واضحة بتحريم بيع الأعضاء البشرية، واعتبرته انتهاكًا صريحًا لكرامة الإنسان وتكريم جسده الذي جعله الله أمانة لا مِلكية مطلقة. التبرع بالأعضاء جائز بشروط إنسانية صارمة، أما البيع فهو باب للاستغلال لا يُفتح باسم الرحمة.
والمؤلم أكثر أن من يبيع كليته لا يخرج من فقره، بل يدخل في فقرٍ صحيٍّ جديد. يعاني كثير من هؤلاء لاحقًا من مضاعفات بدنية، ضعف مناعة، اضطرابات نفسية، وشعور دائم بالندم. الكلية ليست أداة يمكن الاستغناء عنها بلا أثر. إنها عضو حيوي، وفقدانها يُضعف الجسد ويعرّض الإنسان لأزمات دائمة. في المقابل، غالبًا ما يُنسى البائع، ولا يجد من يمد له يد العون، بل ينتهي إلى العزلة والصمت.
لذلك، فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بتشريعها، بل بـ:
في النهاية، لسنا أمام قضية طبية فقط، بل أمام سؤال أخلاقي كبير:
هل نقبل أن تتحوّل أجساد الفقراء إلى مخازن لأعضاء الأثرياء؟
هل نقبل أن نشتري الحياة على حساب من يبيع جسده ليأكل؟
وهل نسمح بتسليع الإنسان، باسم الاضطرار والواقعية؟
إذا أجزنا ذلك اليوم، فما الذي سنبيحه غدًا؟